القرطبي
175
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أي من يخب . وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي ( 1 ) غيا إذا فسد عليه أمره ، أو فسد هو في نفسه . وهو أحد معاني قول تعالى : " وعصى آدم ربه فغوى ( 2 ) " أي فسد عيشه في الجنة . ويقال : غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه . الثانية - مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ، ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى وهو الحقيقة ، فلا شئ في الوجود إلا وهو مخلوق له ، صادر عن إرادته تعالى . وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم ، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس ، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه ، تعالى الله عن ذلك . فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم ، وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه : " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ( 3 ) " وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام ، وكان متهما بالقدر ، وكان من الفقهاء الكبار ، فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام ؟ فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه ! فقال : إبليس أفقه منه ، يقول إبليس : رب بما أغويتني . ويقول هذا : أنا أغوي نفسي . الثالثة - قوله تعالى : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي بالصد عنه ، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك ، أو يضلوا كما ضل ، أو يخيبوا كما خيب ، حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة ف " أغويتني " . والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة . و " صراطك " منصوب على حذف " على " أو " في " من قوله : " صراطك المستقيم " ، كما حكى سيبويه " ضرب زيد الظهر والبطن " . وأنشد : لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب ( 4 )
--> ( 1 ) من ج . ( 2 ) راجع ج 11 ص 255 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 28 . ( 4 ) البيت لساعدة بن جؤية . يريد في الطريق . وصف في البيت رمحا لين الهز فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره . والعسل العسلان ( بالتحريك ) : سير سريع في اضطراب . واللدن : الناعم اللين . ( عن شرح الشواهد ) .